قصة
٢٨ يوليو ٢٠٢٦
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي - اليمن: نحو استدامة زراعية: تعزيز الأنظمة المحلية للأمن الغذائي في اليمن
عند شروق الشمس في دلتا أبين، يسير المزارع عبد الغالب بين صفوف الشتلات اليافعة، متفحصاً أوراقها بعناية.قبل سنوات قليلة فقط ، كانت حقول كهذهتكافح من أجلالبقاء؛ كانت الشتلات القادمة من محافظات أخرى باهظة الثمن، وغالبًا ما كانت تتعرض للتلف نتيجة سوء حفظها وتعرضها لظروف قاسية. كما أضرت الأسمدة غير العضوية بالتربة. وكان الري يعتمد على الوقود المكلف، بينما تعني خيارات التخزين السيئة أن المحاصيل الناجحة قد تفقد قيمتها قبل أن تصل إلى السوق.بدلاً من معالجة التحديات الزراعية بشكل منفرد، عملت مبادرة جديدة على تقوية النظام الزراعي المحلي بأكمله دفعة واحدة، وذلك عبر ربط المزارعين والموردين والمصنعين والأسواق في سلسلة قيمة محلية فعالة. تُظهر النتائج درساً يستفاد منه: عندما تتحسن كل أجزاء النظام الزراعي معاً، يكون الأثر أكبر بكثير من مجموع أجزائه منفردة. ليس مجرد مشروع، بل نظاماً متكاملاًقبل التدخل، قامت وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغربإجراء تقييمات للسوق ومشاورات مع المزارعين لفهم العقبات التي كانت تحد من إنتاجيتهم الزراعية.وأظهرت النتائج أنهم لم يكونوا يواجهون مشكلة واحدة، بل شبكة من المشكلات المترابطة؛ فالشتلات المستوردة كانت مكلفة وغير موثوقة، والري بالسيول كان يهدر المياه الشحيحة، كما أضرت الأسمدة والمبيدات غير العضوية بصحة التربة. علاوة على ذلك، كان الوصول إلى المدخلات الزراعية عالية الجودة محدوداً، وتسببت أنظمة ما بعد الحصاد الضعيفة في خسائر قُدِّرت بنحو 26% من الإنتاج.وكان من شأن معالجة أي من هذه القضايا بشكل منفصل أن يؤدي إلى نتائج محدودة الأثر.واستجابة لذلك، قدّم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالشراكة مع وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر، نموذجاً متكاملاً وذلك من خلال مشروع تعزيز الحماية الاجتماعية الممول من البنك الدولي.ركز هذا النموذج على تعزيز سلسلة التوريد الزراعية بأكملها في وقت واحد، من خلال دعم المنشآت المحلية التي تزود المزارعين بالشتلات، والأسمدة العضوية، ومكافحة الآفات، وتقنيات الري، وخدمات التصنيع الغذائي، والوصول إلى الأسواق. المشاريع المحلية كركيزة أساسية للتغييرتقف المنشآت المحلية الصغيرة والمتوسطة في قلب هذا التحول، حيث وسّع العديد منها عملياته بفضل دعم المشروع. ومن بين هذه المنشآت "مشتل بن مشهور"، الذي أسسه المهندس الزراعي عبدالله مشهور.يقول عبدالله: "بالدعم الذي تلقيناه، طورنا المشتل من الصفر. في البداية كان المزارعون مترددين، ولكن بعد أن شاهدوا النتائج، نما الطلب سريعاً."وبما أن الشتلات المنتجة محلياً تتكيف بشكل أفضل مع مناخ أبين وتربتها، فقد ساعدت المزارعين على تقليل اعتمادهم على النباتات المستوردة. على مقربة من المشتل، أصبحت "جمعية الجول النسوية" مورداً مهماً للسماد العضوي.وتتذكر مديرة الجمعية، حسينة، كيف غيّر المشروع عملية الإنتاج لديهن قائلة: "في السابق، كان الأمر يستغرق شهرين أو ثلاثة أشهر حتى تتحلل المواد العضوية. ولكن مع آلة الفرم التي حصلنا عليها، تتفكك المواد بشكل أسرع بكثير وتحسن الإنتاج بشكل كبير."تعمل الآلة بأكملها بنظام الطاقة الشمسية، مما يدعم الإنتاج المستدام والفعال حتى في ظل غياب الكهرباء العامة. ما بدأ كجمعية صغيرة تضم 58 عضوة، أصبح اليوم يضم 142 امرأة، مع توسع أنشطتها التجارية وتوفير مصدر دخل مستدام للأسر في المجتمع المحلي.والأهم من ذلك، أن المشتل والجمعية لا يعملان بمعزل عن بعضهما؛ فالسماد العضوي الذي تنتجه جمعية الجول يحسن صحة التربة، بينما تترجم الشتلات عالية الجودة من مشتل بن مشهور تلك التربة المحسنة إلى إنتاجية أقوى. ومن خلال تبادل المعرفة والوصول إلى الأسواق، يعزز كل منهما عمل الآخر. ومؤخراً، مكنتهما هذه الشراكة من تلبية طلبية سماد تبلغ 70 طناً قُدِّرت قيمتها بنحو 12,000 دولار أمريكي. ويتوطد هذا النظام البيئي بشكل أكبر عبر الدور الذي تلعبه "مؤسسة البكري"، والتي حسّنت من فرص الحصول على المدخلات الزراعية الأساسية. فمن خلال إنشاء مستودع وتقديم تسهيلات ائتمانية مرنة للمزارعين لشراء مواد مثل شبكات الري بالتنقيط، والأنابيب، وشباك التظليل، تساعد المؤسسة في ضمان قدرة المزارعين على تبني ممارسات محسنة دون تحمل تكاليف أولية باهظة، وسدت بذلك فجوة حرجة بين العرض والقدرة المالية للمزارع. تبني ممارسات زراعية مستدامة وصديقة للبيئةإدراكاً لمخاطر المبيدات غير العضوية، بدأ رواد الأعمال المحليون أيضاً في إنتاج "زيت النيم"، وهو حل طبيعي لمكافحة الآفات يُستخلص من بذور أشجار النيم. ويوضح علي، صاحب المعصرة، سبب إقبال المزارعين على هذا المنتج قائلاً: "هذا المنتج آمن على الإنسان والحيوان والحشرات النافعة مثل النحل، كما أن مسحوق النيم يحمي المحاصيل من النمل الأبيض." بالنسبة للمزارعين مثل أسامة، فإن الفرق واضح وجلي في الحقول: "منذ أن بدأت في استخدامه، أصبحت الآفات أقل إثارة للقلق، ومحاصيلي باتت أكثر صحة وإنتاجي أفضل من ذي قبل." من الحصاد إلى السوقلم يكن تحسين الإنتاج سوى جزء من الحل؛ إذ كان المزارعون بحاجة أيضاً إلى أنظمة أفضل لمعالجة محاصيلهم وتخزينها ونقلها.ولهذا السبب، تلقت "وكالة بن فليس الزراعية" الدعم لتوسيعقدرتها على معالجة البذور وتخزينها. وبفضل المعدات الحديثة، رفعت الوكالة إنتاجها من 500 كيلوغرام في اليوم إلى ما يقارب 10 أطنان.ويشرح مأمون، مدير الوكالة، أهمية هذه الخطوة: "نحن نزود المزارعين ببذور سمسم عالية الجودة، ونربطهم بالمشترين من خلال شبكتنا التسويقية." وبدورها، ساهمت هذه التحسينات في تقليل خسائر ما بعد الحصاد وساعدت المزارعين في تأمين أسعار أفضل لمحاصيلهم. يقول مزارع السمسم، صابر: "كان التحدي الأكبر بالنسبة لنا يكمن في مرحلة ما بعد الحصاد. أما الآن، فيتم تنظيف البذور وفرزها وتخزينها بشكل صحيح قبل الذهاب إلى السوق." وفي "معمل دلتا أبين للصناعات الغذائية"، يتم بعد ذلك تعبئة المحاصيل وإعدادها للتوزيع.وقد تعززت معايير التصنيع بفضل التعاون بين وكالة بن فليس الزراعية ومعمل دلتا أبين؛ حيث تتولى وكالة بن فليس عمليات التنظيف والفرز وتجهيز البذور بعد الحصاد، بينما يضيف معمل دلتا أبين قيمة للمنتج من خلال التغليف المحكم، والوزن الدقيق، واستخدام مواد عالية الجودة، مما يضمن تقديم منتجات جاهزة للسوق.توضح ابتسام، مديرة المعمل: "تركيزنا ينصب على الجودة؛ فعندما يتم التعامل مع المنتج بشكل جيد، تُكافأ جهود المزارعين." وتنعكس هذه المكاسب بشكل أكبر على امتداد السلسلة، إذ يلعب فؤاد، الذي يعمل كموزع للمنتجات وصاحب “مخزن المقبولي لإنضاج الفواكه” دوراً محورياً في ضمان وصول المحاصيل إلى الأسواق في حالة مثالية. لقد مكنه دعم المشروع من استبدال شاحنته القديمة التي كانت تتعرض لأعطال متكررة، مما حسن كفاءة عمليات النقل وزاد من موثوقية إيصال المنتجات في الوقت المناسب. وفي الوقت نفسه، ساهمت إعادة تأهيل منشأة الإنضاج الخاصة به في تعزيز عمليات ما بعد الحصاد عبر السماح بحفظ المنتجات، وإنضاجها، وإعدادها بشكل أفضل. يقول فؤاد: "الآن يمكننا الوصول إلى أسواق بعيدة، وتسليم المنتجات بحالة أفضل بكثير."كما أدت الطاقة الشمسية إلى استقرار العمليات عبر مختلف المنشآت والمعامل من خلال تقليل الاعتماد على الوقود وتمكين عمليات معالجة وتخزين أكثر اتساقاً. عندما تؤتي المنظومة ثمارهاومع ترسخ هذه التدخلات عبر نقاط متعددة في سلسلة القيمة، أصبحت النتائج ملموسة في جميع أنحاء النظام الزراعي.فقد ارتفع معدل التوظيف في المنشآت الصغيرة والمتوسطة المدعومة بنسبة 138%، لينتقل من 47 إلى 112 وظيفة رسمية، بما في ذلك توظيف 45 امرأة لأول مرة. كما توسعت المنشآت الأصغر حجماً أيضاً، حيث نما التوظيف الدائم فيها من 11 إلى 39 عاملاً، إلى جانب الارتفاع المستمر في فرص الأجور اليومية عبر المجتمعات الريفية.وفي الوقت نفسه، أصبحت الأعمال أكثر إنتاجية وربحية؛ إذ زادت المبيعات السنوية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة بنسبة 48%، في حين ارتفعت صافي الأرباح بنسبة 22.6%، مما يعكس كفاءة أقوى ووصولاً أفضل إلى الأسواق. وشهدت المنشآت الأصغر مكاسب مماثلة، حيث ارتفع متوسط مبيعاتها من 21,000 دولار إلى 36,000 دولار.كما عززت التحسينات التشغيلية الاستدامة؛ حيث تراجعت خسائر الإنتاج بنسبة 26%، في حين باتت الطاقة الشمسية تغطي الآن حوالي 75% من الطاقة التشغيلية. ونتيجة لذلك، انخفض استهلاك الوقود بنسبة 42%، مما أدى إلى خفض التكاليفوبالنسبة للمزارعين، تُرجمت هذه التغييرات إلى مكاسب حقيقية؛ حيث ارتفع دخل المزارعين، وتحسنت جودة المحاصيل، وبدأت المخاطر المرتبطة بالزراعة في الانخفاض، مما يمثل تحولاً واضحاً من الإنتاج الهش إلى نظام زراعي أكثر استقراراً ومرونة. سلة غذاء الجنوب تستعيد عافيتهامن خلال تعزيز أجزاء متعددة من النظام في وقت واحد – بدءاً من الشتلات وصحة التربة إلى التصنيع والخدمات اللوجستية والأسواق – ساعد نهج "الدورة الخضراء" في إعادة بناء اقتصاد زراعي مرن في أبين.ووفقاً لصاحب المشتل، عبدالله مشهور، فإن الهدف الآن هو تحقيق الاستقرار على المدى الطويل: "نريد أن يتمكن المزارعون من الحصول على شتلات قوية محلياً. وبهذه الطريقة تتحسن محاصيلهم عاماً بعد عام."وفي غضون ذلك، تواصل جمعية الجول النسوية توسيع الفرص المتاحة للنساء الريفيات من خلال إنتاج الأطعمة التقليدية والتوابل والمنتجات الطبيعية للأسواق المحلية.وعلى امتداد المحافظة، بات المزارعون والموردون والمصنعون والموزعون مرتبطين بشكل متزايد عبر نظام زراعي محلي فعال.وبالنسبة لمنطقة عُرفت طويلاً بأنها "سلة غذاء" جنوب اليمن، فإن هذا التحول يعني أكثر من مجردزيادة في الإنتاج؛ فهو يعني أن حقول أبين تسهم في إطعام الأسر، وتدعم سبل العيش، وترسخ المستقبل الاقتصادي للمنطقة من جديد.