قصة
٢٣ مايو ٢٠٢٦
صندوق الأمم المتحدة للسكان - اليمن: "ها أنا أستعيد صحتي وكرامتي وحياتي": نساء يتعافين من ناسور الولادة في اليمن
عدن، اليمن - "عشت في صمت، أُخفي ألمي عن الآخرين، وأتحمل نظرتي لنفسي قبل أن أتحمل نظراتهم"، تتذكر صفية ذات الـ 28 عاماً، من مديرية باجل بمحافظة الحديدة. على مدى خمس سنوات، حملت صفية ألماً لم تكن قادرة على فهمه أو تفسيره. فبعد تعرضها لمضاعفات حادة أثناء الولادة في أحد مستشفيات باجل، بدأت تعاني من تسرب البراز، ما أضطرها للانسحاب والانعزال عن الحياة اليومية. مثلها أمينة، ذات الـ 20 عاماً من محافظة عدن، التي خاضت معركتها الصامتة. تزوجت في سن الخامسة عشرة وحملت بعد تسعة أشهر، ولم تحصل على أي رعاية قبل الولادة في قريتها النائية. وعندما حان وقت الولادة، استمرت آلام المخاض لثلاثة أيام مريرة ولم يكن بجانبها سوى مولدة تقليدية، غير مدربة. وحينما وصلت إلى المستشفى، كان طفلها قد فارق الحياة. أنقذت عملية قيصرية طارئة حياتها، لكنها تركتها مصابة بناسور ولادي، وهي إصابة مُدمرة اثر ولادة تسببت بعزلتها لمدة عام ونصف. قصتا صفية وأمينة تعكسان واقعاً قاسياً تواجهه آلاف النساء في أنحاء اليمن. تكشف التقديرات العالمية أن اليمن يسجل أعلى معدل انتشار للناسور الولادي في المنطقة العربية، بواقع 113 حالة اصابة لكل 100,000 امرأة حتى العام 2020، مقارنة بـ 86 حالة لكل 100,000 امرأة في المنطقة العربية و36 حالة لكل 100,000 امرأة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. والناسور الولادي عبارة عن ثقب بين قناة الولادة والمثانة أو المستقيم ينتج عن الولادة المطولة والمتعسرة دون تدخل طبي في الوقت المناسب، ويعتبر حالة يمكن الوقاية منها وعلاجها على حد سواء. ومع ذلك، فإن تضافر مجموعة من العوامل المأساوية في اليمن جعل من هذه الحالة أزمة مستمرة من بينها الزواج المبكر والحمل، والانخفاض الحاد في معدلات الولادة بمساعدة أيدي طبية ماهرة، بالإضافة الى الدمار الذي لحق بالنظام الصحي بسبب الصراع المستمر لأكثر من عشر سنوات. عندما تنهار الأنظمة، النساء تدفع الثمن دفع الصراع والأزمة الإنسانية بالنظام الصحي في اليمن إلى حافة الانهيار. فنحو 19.4 مليون شخص بحاجة للرعاية الصحية الأساسية، بما في ذلك خدمات الصحة الإنجابية (صحة الأم والوليد). ولا تزال نصف المرافق الصحية فقط تعمل بشكل كامل أو جزئي، وواحد فقط من كل خمسة منها يقدم خدمات رعاية الأمهات والمواليد. وتحدث نصف حالات الولادة تقريباً خارج المرافق الصحية. كما أن نحو ربع النساء الحوامل لا يحصلن على الرعاية القبلية أي قبل الولادة، في حين أن ثلاثاً فقط من كل خمس نساء يلدن بمساعدة قابلات مدربات. بالنسبة للنساء مثل صفية وأمينة، فإن العوائق التي تحول دون الحصول على العلاج كبيرة: قلة المرافق العاملة المجهزة بغرف عمليات ورعاية متخصصة للناسور، والتحديات المالية وصعوبات النقل، وضعف أنظمة الإحالة في المناطق النائية، والنقص الشديد في اخصائيات جراحة نواسير الولادة، بالإضافة إلى الوصمة الاجتماعية والتي تُعد أكثر العوامل تدميراً وتسبب العزلة والصدمات النفسية التي تثبط النساء عن طلب الرعاية من الأساس. شريان حياة في الظلام بالنسبة لصفية فقد قررت عدم الاستسلام. فبعد فحصها في مرفق صحي في الحوبان، تم إحالتها إلى مركز علاج الناسور المدعوم من صندوق الأمم المتحدة للسكان في مستشفى الصداقة في عدن. "عندما أخبرتني الطبيبة عن حالتي، قالت إن العلاج ممكن"، تتذكر صفية. "تلك الكلمات وحدها أعادت لي أنفاسي". خضعت صفية لعملية جراحية ناجحة مجاناً، وتلقت دعماً مالياً لتغطية تكاليف المواصلات. وتقول: "لم أكن أصدق أن الألم الذي رافقني لمدة خمس سنوات يمكن أن ينتهي". "اليوم، ها أنا أتعافى خطوة بخطوة. إنني أستعيد صحتي وكرامتي وحياتي". وبالمثل كانت رحلة أمينة نحو الشفاء. فعندما علمت بوجود مركز علاج الناسور الولادي، تواصلت مع المنسقة الخاصة بالبرنامج وسافرت إلى مستشفى الصداقة في مدينة عدن. وبعد نجاح العملية الجراحية، بدأت تعافيها.تقول أمينة: " لم يعالج المستشفى إصابتي فحسب، بل أعاد لي كرامتي وجدد ثقتي في الحياة". "لقد منحوني الفرصة لبداية جديدة". إعادة البناء بشكل أفضليدعم صندوق الأمم المتحدة للسكان مركزين مخصصين لعلاج الناسور الولادي في اليمن ، في مستشفى الصداقة في عدن ومستشفى الثورة في صنعاء حيث يقدمان خدمات العلاج الجراحي، وتدريب القابلات، ودعم ممارسات الولادة الآمنة، وضمان تمكن النساء اللواتي يعانين من مضاعفات من الوصول إلى الرعاية المؤهلة. ومنذ 2023، أُجريت بنجاح نحو 300 عملية جراحية لعلاج الناسور الولادي في هذين المركزين. ومن خلال الشراكات مع وزارة الصحة العامة والمنظمات المحلية مثل منظمة ديم للتنمية، يعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان على تعزيز أنظمة الإحالة، وتوسيع نطاق الوصول إلى رعاية الطوارئ التوليدية، ومعالجة الأسباب الجذرية التي تؤدي إلى الإصابة بالناسور الولادي.لكن الاحتياجات تفوق بكثير القدرات الحالية، وكما يهدد النقص الحاد في التمويل بتعليق دعم صندوق الأمم المتحدة للسكان لهذه المراكز الخاصة بعلاج الناسور الولادي. تتذكر صفية قائلة: "نعم، قصتي مليئة بالألم، لكنها مليئة بالأمل أيضاً".في اليوم العالمي للقضاء على الناسور الولادي، يتعين على هذا الأمل أن يتحول إلى عمل ملموس. فالناسور الولادي اصابة يمكن الوقاية منها وعلاجها؛ والقضاء عليه أمر في متناول أيدينا.