برنامج الأمم المتحدة الإنمائي - اليمن: عبق الفل العربي يدعم حركة العمل والتجارة في اليمن
في محافظة لحج في اليمن، يشكّل الفل العربي حلقة وصل بين المزارعين والجمعيات التعاونية وتجار الأسواق ومصنّعي العطور، مساهماً في توفير فرص العمل وتعزيز الدخل في ا
في محافظة لحج في اليمن، يشكّل الفل العربي حلقة وصل بين المزارعين والجمعيات التعاونية وتجار الأسواق ومصنّعي العطور، مساهماً في توفير فرص العمل وتعزيز الدخل في الاقتصاد الريفي بالبلاد
الفلّ العربي، المعروف محلياً بالفلّ، لا يحمل العطر فحسب، بل يحمل أيضاً ذكريات اليمن وتاريخها عبر التلال والأسواق. جُلب لأول مرة في ثلاثينيات القرن الماضي على يد الأمير أحمد فضل القمندان من الهند إلى حدائق لحج، ليجد الفلّ سريعاً موطئ قدم في القرى المجاورة وينتشر تدريجياً نحو السواحل. وبعد نحو مئة عام، يظل الفلّ رمزاً ثقافياً فخوراً لمحافظة لحج وركيزة هامة في مصدر رزق أهلها.
عادة يومية مستمدة من عمق التراث
تبدأ الحياة مع الفلّ العربي باكراً. يستيقظ المزارعون قبل الفجر لريّ النباتات والعناية بها، مدركين أن الأزهار لا تتفتح إلا في ساعات الصباح الباردة. ومع طلوع الشمس فوق التلال، تكون العائلات بأكملها قد بدأت عملها، تجمع بعناية الأزهار البيضاء الرقيقة قبل أن تشتد حرارة النهار.
يُجمّع الفلّ المقطوف حديثاً ويُنقل إلى سوق الجملة في لحج، حيث المنافسة شديدة. يتزاحم صانعو الأكاليل، ومزّينو حفلات الزفاف، وباعة البخور لضمان الحصول على أفضل الأزهار في اليوم.
يقول المزارع المحلي، باسم: «هذه النبتة ليست مجرد محصول. إنها مصدر رزق عائلتي. من يرويها يستفيد، ومن يقطفها يستفيد… وحتى من ينقلها إلى السوق يستفيد.»
متجذر في الاحتفالات والهوية الثقافية
بعيداً عن السوق، يتربع الفلّ العربي في صميم الاحتفالات اليمنية. يوضح المزارع فايز: «بالنسبة للنساء، الفلّ لا غنى عنه في الأعراس والمناسبات الخاصة، سواءً كان منسوجاً في الأكاليل، أو مستخدماً للزينة، أو معصوراً لأستخراج زيوته لتعطير البشرة.»
لكن الفلّ لا يقتصر على المناسبات فقط. فعبيره يلتصق بالملابس، ويظل في البيوت، وينتشر في شوارع المدينة ومساجدها وأسواقها.
الفلّ العربي: عمود اقتصادي للأسر الريفية
يبدأ موسم الفلّ في شهر مارس ويستمر لمدة سبعة أشهر، ويبلغ الإنتاج ذروته تزامناً مع موسم الأعراس. خلال موسم الذروة، قد يبيع المزارع الواحد ما يصل إلى 10 كيلوغرامات من الأزهار يومياً. ويتراوح سعر الكيلوغرام الواحد حول 2,500 ريال يمني (حوالي 1.50 دولار أمريكي)، لكن في الشتاء قد تؤدي ندرة الفلّ إلى ارتفاع السعر ليصل إلى 50,000 ريال تقريباً (ما يقارب 31 دولاراً).
كما أن زراعة الفلّ تتطلب جهداً كبيراً، إذ يحتاج كل هكتار إلى 15–20 عاملاً لجني الأزهار، مما يوفّر فرص عمل منتظمة في القرى الريفية. وفي محافظة لحج وحدها، يُزرع حوالي 200 هكتار من الفلّ، بينما يعتني معظم المزارعين بثلاثة إلى أربعة هكتارات لكل منهم، مما يدعم الأسر والعمال والاقتصادات المحلية بأكملها.
أكثر من أن يُباع، أقل من أن يُحتفظ به
على الرغم من جماله وأهميته الثقافية، تواجه زراعة الفلّ تحديات كبيرة. يقول المزارع محمد: «في الصيف، قد تكون الأزهار كثيرة إلى درجة أن السوق لا يستطيع استيعابها كلها، ويذهب جزء كبير من المحصول دون بيع.»
وبجانب مشكلة الفائض الموسمي، يواجه المزارعون ضغوطاً بيئية طويلة الأمد. فقد بدأ انخفاض الأمطار وتغير أنماط الطقس يؤثر بالفعل على الإنتاج.
يشرح جلال، رئيس الجمعية التعاونية لمزارعي الفلّ في لحج: «انخفضت معدلات الأمطار في السنوات الأخيرة، ما يتسبب في تلف الأراضي وتقليل الإنتاج. المزارعون يواجهون ضغوطاً متزايدة، والكثير منهم يكافحون لمواكبة الوضع.»
مسار جديد: من الأزهار إلى الزيوت العطرية
إدراكاً للأهمية الثقافية والاقتصادية للفلّ العربي والحاجة إلى الحفاظ عليهما معاً، قام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) – مشروع تعزيز الحماية الاجتماعية الطارئة والاستجابة لكوفيد-19 (ESPECRP)، بدعم من الوكالة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي وبالتنفيذ عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع الشريك المحلي وكالــة تنميــة المُنشــآت الصغيرة والأصغــر (SMEPS)، بمساعدة الجمعية التعاونية في تحديث عمليات الإنتاج.
زوّد المشروع الجمعية بمرافق تقطير تعمل بالطاقة الشمسية، ويعمل فيها ستة موظفين، ما مكّن المزارعين من معالجة فائض الأزهار وتحويله إلى زيت فلّ عالي الجودة. هذا الزيت أصبح الآن مطلوباً من قبل منتجي العطور داخل اليمن وخارجها.
يقول وضاح، مستشار وكالــة تنميــة المُنشــآت الصغيرة والأصغــر (SMEPS): «مصانع العطور كانت تستورد هذا الزيت بتكلفة مرتفعة، أما الآن فهو متوفر محلياً وبجودة عالية لدرجة أنه خلق مصدر دخل جديد للمزارعين.»
كما تدير الجمعية سوق المزاد بالجملة، ويعمل فيها 15 شخصاً لمتابعة الكميات وتسهيل عمليات البيع.
ويضيف جلال: «اليوم، أصبح الفلّ موجوداً في معظم محافظات اليمن، ويتم تصديره أيضاً إلى السعودية ودول الخليج الأخرى.»
لا مكان للهدر بعد الآن
في السابق، كانت الأزهار الزائدة تذبل دون بيع، أما الآن فتم تحويلها لاستخدامات أخرى. يوضح محمد: «نأخذها إلى المنشأة، نستخلص الزيت، ونحقق دخلاً إضافياً يمكننا من توسيع أراضينا.»
وتتجاوز آثار هذا الإنجاز حدود المزرعة نفسها، إذ تم خلق فرص عمل جديدة في مجالات النقل والفرز والمعالجة والبيع.
مستقبل يستعد ليُزهر
لا يعتمد مستقبلا لفلّ على الأمطار أو المحاصيل فحسب، بل على الإرادة الجماعية لصون هذا الموروث. فمع استمرار الدعم – من خلال الزراعة المقاومة للمناخ، وتحسين أساليب المعالجة، وتسهيل الوصول إلى الأسواق – سيكون بإمكان المزارعين زيادة إنتاجهم وتوسيع نطاقهم.
يقول جلال: «بدعم يُسهم في خفض التكاليف وتعزيز قدرات جمعيتنا، يمكن أن تتسع المساحات المزروعة ويزداد الإنتاج بشكل ملحوظ.»
وإذا حُظي الفلّ بالعناية التي يستحقها، فسيواصل ما اعتاد عليه دائماً: أن يتفتح مع أولى خيوط الصباح، ويملأ الأجواء بالأمل، ويمنح الرزق للأيدي التي ترعاه… ورقةً بعد أخرى.