منظمة الهجرة الدولية - اليمن: الطعام الإثيوبي وسيلة للتواصل في مركز للمهاجرين باليمن
--
بقلم :
- كتب هذه القصة منة الله حميد | مساعد أول للتواصل في المنظمة الدولية للهجرة
- نفذت المقابلات عبير الحسني | مساعدة تواصل في المنظمة الدولية للهجرة
عدن، اليمن
تملأ رائحة بهار البربري والبصل المطهو على نار هادئة مطبخاً متواضعاً، متصاعدة فوق أصوات الحياة اليومية في مركز للمهاجرين. تقف خضرا، 30 عاماً، فوق قدر يغلي فيه طبق الزقني، وتحرك ببطء وهي تراقب الصلصة الحمراء الداكنة وهي تزداد كثافة. لوهلة، يبدو المطبخ بعيداً كل البعد عن النزوح وعدم اليقين والطريق الطويل الذي أوصلها إلى هنا.
تقول خضرا: "هذا أكثر من مجرد طبيخ عادي. إنه يحمل طعم الوطن وذكريات اللقاءات."
تعيدها رائحة الثوم والزنجبيل والتوابل إلى إثيوبيا. في هذا الفعل البسيط المتمثل في الطهي، تحافظ خضرا على شيء لم يتمكن الصراع أو الهجرة الطويلة من انتزاعه منها. كما تشارك هذه التجربة مع نساء مهاجرات أخريات من حولها، مقدمة لهن بعض الراحة من خلال الطعام، واحياء التقاليد حتى لو كانوا بعيدين عن الوطن.
قبل عامين، غادرت خضرا إثيوبيا بمفردها باحثةً عن حياة أفضل لأطفالها الثلاثة، دون أن تعلم إن كانت سترى وجوههم مرة أخرى. ودون أن تدري أنها حامل، أمضت فترة تزيد عن شهر في طريق الهجرة مع أكثر من 200 مهاجر آخر، وكانت تمر عليها أيام دون أن تتناول طعام كافٍ، وتعاني في العثور حتى على القليل من الماء.
في كل عام، ينطلق آلاف المهاجرين من القرن الأفريقي في رحلات محفوفة بالمخاطر إلى اليمن، على أمل الوصول إلى فرص عمل في دول الخليج. لكن كثيرين منهم يواجهون الاستغلال وسوء المعاملة ومخاطر جسيمة على طول الطريق
في نهاية المطاف، وصلت خضرا إلى صنعاء، حيث أقامت لمدة ستة أشهر وأنجبت طفلها.
في صنعاء، تلقت خضرا دعماً من المنظمة الدولية للهجرة، بما في ذلك الغذاء والمأوى والرعاية الطبية، وهو دعم تقول عنه إنه ساعدها على النجاة خلال فترة من عدم اليقين العميق.
تقول: "بدون الدعم، لا أعرف كيف كنت سأستمر."
وبعد محاولات غير ناجحة لمواصلة الرحلة، توجهت خضرا إلى عدن. منهكة ودون مكان تلجأ إليه، نامت في الشارع لمدة ثلاثة أيام قبل أن تصل إلى نقطة استجابة المهاجرين التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، حيث تلقت حصلت على المأكل والملبس والمسكن.
لاحقاً، انتقلت إلى مركز الرعاية المجتمعية التابع للمنظمة، حيث وجدت شعرت بالأمان والانتماء وحصلت على الدعم خلال فترة مليئة بعدم اليقين.
توضح: "عندما جئت إلى هنا، شعرت وكأن لدي عائلة من جديد."
في عدن، تقدم المنظمة الدولية للهجرة مساعدات مُنقذة للحياة للمهاجرين مثل خضرا، بما في ذلك الغذاء والملابس والرعاية الطبية وأماكن آمنة للراحة.
ساعدها الدعم الذي تلقته على التعافي والبدء بالمساهمة في الحياة داخل المركز، حيث أخذت تعتني بالآخرين رغم استمرارها في مواجهة حالة عدم اليقين التي تعيشها.
وأصبح الطعام الإثيوبي جزءاً من ذلك.
توضح أنه في إثيوبيا، غالباً ما يرتبط إعداد أطباق مثل الزقني بالتجمعات العائلية والمناسبات الخاصة. وقد بقيت تلك الذكريات معها. وفي مركز عدن، بدأت في إعادة إحياء تلك التقاليد، متشاركة الوجبات مع مهاجرين آخرين يحملون، مثلها، ذكريات الوطن بينما يعيشون حالة من الانتظار.
تقول: "كل مهاجر يأتي إلى هنا لديه قصة. قصة كفاح وأمل وشجاعة. يذكرنا الطهي أنه رغم كل شيء، تستمر الحياة."
تبدأ بطهي البصل المفروم في الزيت حتى يصبح بنياً داكناً، ثم تضيف الثوم والزنجبيل وبهارات البربري، وهي مزيج التوابل الذي يمنح الزقني قوامة ومذاقه. ثم يُضاف الدجاج المقطع على شكل مكعبات ويُحمّر قليلًا قبل إضافة معجون الطماطم والماء.
يترك الطبيخ ليغلي على نار هادئة لمدة تقارب الساعة، حيث تتمازج النكهات تدريجياً لتكوّن صلصة غنية.
وبجانب القدر توضع الانجيرا، الخبز الطري الإسفنجي المستخدم لأكل الطبيخ.
وبحركات احترافية، ترفع خضرا المغرفة، وتحرك الدجاج، وتفحص الصلصة، وتهتم بالتفاصيل كشخص يعود عبر الذاكرة إلى واقع سابق.
بالنسبة لخضرا، فإن إعداد الزقني والانجيرا ليس مجرد طهي، بل هو وسيلة للحفاظ على الثقافة وتوفير بعض الراحة للآخرين الذين مرّوا برحلات صعبة.
تقول: "حتى هنا، نحاول الحفاظ على التقاليد. من المهم أن يتذكر الناس تأريخهم، وماذا نأكل، وكيف نحتفل."
يتبادل المهاجرون القصص والتجارب وهم يتناولون الوجبات الجماعية. وتتحدث النساء عن أطفال تُركوا في الوطن وعائلات يأملن في رؤيتها مجددًا، ومستقبل ما يزال غير واضح. في تلك اللحظات، يصبح الطعام أكثر من مجرد مصدر للغذاء؛ بل يصبح وسيلة للتشبث بالهوية.
تقول: "حتى في الأوقات الصعبة، يمكن لأشياء صغيرة مثل طهي طبق من الوطن أن تجعلك تشعر بأنك إنسان مرة أخرى."
بعد فترة وجيزة من مشاركة قصتها وطعامها، عادت خضرا إلى إثيوبيا من خلال برنامج العودة الطوعية الإنسانية التابع للمنظمة الدولية للهجرة، حيث التم شملها مع أطفالها وبدأت فصلاً جديداً قائماً على الأمان والكرامة والأسرة.
مركز الرعاية المجتمعية في عدن مدعوم بسخاء من وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية ومن الاتحاد الأوروبي للمساعدات الإنسانية. أصبحت مساعدات العودة الطوعية الإنسانية ممكنة بالنسبة لخضرا وغيرها من المهاجرين الذين يعيشون في أوضاع هشة بفضل الدعم السخي من وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية.