يونيسف اليمن: رعاية رغم المسافات: حين تصل العيادات المتنقلة إلى الأطفال الأكثر ضعفاً في اليمن
توفر العيادات المتنقلة شريان حياة حيوياً، من خلال إيصال الرعاية المنقذة للحياة إلى الأطفال والأمهات في أكثر المناطق النائية في اليمن وأصعبها وصولاً
لا يزال النظام الصحي في اليمن يواجه ضغوط هائلة، مما يؤدي إلى حرمان أكثر من نصف السكان من الحصول على الخدمات الصحية الأساسية. ويظهر هذا التأثير بشكل خاص في المناطق الريفية والمتأثرة بالنزاع، حيث أدت سنوات من الصراع ونقص الموارد إلى إغلاق العديد من المرافق الصحية.
ووفقاً لخطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية في اليمن لعام 2025، لا يزال ملايين الأطفال متأثرين بالأزمة، ويعاني نحو نصف مليون طفل من سوء التغذية الحاد الوخيم. وبالنسبة للأسر التي تعيش في فقر مدقع، تشكّل التكلفة المرتفعة لوسائل النقل عائقاً شبه مستحيل للوصول إلى المرافق الصحية، ما يحوّل الوضع الصحي الممكن علاجه إلى وضع حرج.
إيصال الرعاية إلى الأُسر أينما وُجدت
في مخيم عتيرة للنازحين بمحافظة لحج، يتزايد الضغط على الأسر النازحة التي تكافح لتلبية أبسط احتياجاتها، في حين يواجه الأطفال -وهم الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض- مخاطر صحية متفاقمة. ويشكّل سوء التغذية، إلى جانب محدودية الوصول إلى الرعاية الصحية، تهديداً خطيراً لبقائهم على قيد الحياة.
وفي ظل هذه الأوضاع المتدهورة، أصبح نشر الفرق الصحية المتنقلة جزءاً أساسياً من الاستجابة الصحية والتغذوية. فمن خلال تقديم خدمات الصحة والتغذية المتكاملة بشكل مباشر إلى المجتمعات، تضمن هذه الفرق الكشف المبكر، والعلاج الفوري، ومنع تدهور حالات الأطفال ووصولها إلى مضاعفات خطيرة. كما تخدم العيادات المتنقلة الأسر التي لا تستطيع تحمّل تكاليف التنقل للوصول إلى المرافق الصحية.
العمل الحيوي للفرق الطبية المتنقلة
توضح زهرة حسين، عاملة صحية ضمن الفريق الطبي المتنقل، أن الهدف الرئيسي هو:
“الحد من معدلات سوء التغذية الحاد الوخيم، مع المتابعة الدقيقة للأطفال الذين غالباً ما يعانون من أمراض متعددة نتيجة الظروف المعيشية القاسية.”
وتضيف زهرة:
“الفرق الصحية المتنقلة تمثل شريان حياة حيوياً للناس هنا. نحن نقدّم الفحص والعلاج لسوء التغذية، مع المتابعة المنتظمة لضمان تعافي الأطفال المصابين بشكل كامل. كما نعالج الأمراض الشائعة مثل الإسهال والحمى والحصبة، ونوفّر التطعيمات الروتينية، ونقدّم الرعاية للنساء الحوامل والمرضعات.”
حياة جديدة لعزام
بالنسبة للأسر النازحة التي تعيش في مخيمات تفتقر إلى خدمات صحة وتغذية دائمة، فإن تكلفة التنقل تشكّل عاملاً حاسماً بين الحصول على الرعاية في الوقت المناسب أو عدم تلقّيها على الإطلاق. وهذا هو واقع عائلة عزام، التي نزحت إلى محافظة لحج وتعيش حالياً في مخيم عتيرة للنازحين.
تتذكر والدة عزام الأيام العصيبة التي سبقت وصول الفريق الطبي المتنقل:
“منذ أن كان عمره خمسة أشهر، لاحظتُ ضعف طفلي الشديد. كان يعاني من صعوبة في الأكل والنوم، وكانت حالته تسوء يوماً بعد يوم. حاولنا نقله إلى مرفق صحي، لكنه كان بعيداً، ولم نكن نملك المال الكافي لتكاليف النقل.”
عندما لاحظت متطوعة الصحة والتغذية المجتمعية في المخيم حالة عزام، كانت قد وصلت إلى مرحلة حرجة. وعلى الفور، قامت المتطوعة بإحالة عزام إلى الفريق الطبي المتنقل الذي يزور المخيم بانتظام، في مثال واضح على الدور الحاسم الذي تلعبه الشبكات المجتمعية في ربط الأسر بخدمات الرعاية الصحية.
رعاية في الوقت المناسب، أثر إيجابي دائم
توضح زهرة قائلة:
“عندما قام الفريق الطبي المتنقل بفحص عزام، كان يعاني من سوء تغذية حاد وخيم وجفاف. وكان محيط منتصف الذراع العلوي - (MUAC)وهو مقياس يُستخدم لتقييم سوء التغذية الحاد- لا يتجاوز 9.7 سنتيمترات، فيما بلغ وزنه 4.6 كيلوغرامات. حيث تشير هذه القياسات إلى هزال شديد.”
تحرّك الفريق على الفور، ووفّر الأغذية العلاجية الجاهزة للاستخدام (RUTF)، والمعنية بمعالجة حالات سوء التغذية الحاد الوخيم، إلى جانب دعم والدة عزام بالإرشادات حول استخدام الدواء، وتقديم المشورة بشأن تغذية الطفل، والتوعية بأهمية النظافة.
“لن أنسى أبداً مدى صعوبة تلك اللحظة. لكن عندما وصلت إلى الفريق الطبي المتنقل، شعرت بالاطمئنان. أدركت أنني لم أعد وحدي.”
تقول والدة عزام
المتابعة المستمرة التي تحمي حياة الأطفال
بفضل المتابعة المنتظمة، تحسنت حالة عزام بشكل ملحوظ. وفي غضون أسبوعين، ازداد وزنه واستعاد قوته، وتجاوز مرحلة الخطر.
تقول زهرة: "عندما يتعافى الطفل وتعود الابتسامة إلى وجهه، فإن ذلك يجلب الفرحة لجميع أفراد الأسرة. في تلك اللحظة ندرك أن جهودنا تُحدث فرقاً حقيقياً".
تفاؤل رغم التحديات
رغم التحديات المستمرة التي يواجهها النظام الصحي في اليمن، تواصل اليونيسف -بالتعاون مع شركائها- دعم خدمات الصحة والتغذية الأساسية للأطفال والأسر في مختلف أنحاء البلاد. ويُنجز هذا العمل بفضل الدعم السخي من الشركاء، بمن فيهم مؤسسة "سكند مايل" واللجنة الوطنية السويسرية، الذين تساهم تبرعاتهم في استدامة عمل الفرق الطبية المتنقلة للوصول إلى المجتمعات الأكثر احتياجاً.
ويأتي هذا الدعم في إطار مشروع الاستجابة لأزمة التغذية في اليمن، الذي يهدف إلى الوصول إلى أكثر من270,000 طفل دون سن الخامسة و153,000 امرأة حامل ومرضعة في المحافظات ذات الأولوية، إلى جانب تعزيز القدرات المحلية من خلال التدريب المستمر والمشاركة المجتمعية.