المنظمة الدولية للهجرة- اليمن: من أجل الماء: معاناة أسرة في المخا
--
بقلم :
- بقلم: عبير الحسني | مساعد التواصل في المنظمة الدولية للهجرة - اليمن.
- التحرير: منة الله حُميد | مساعد أول للتواصل في المنظمة الدولية للهجرة - اليمن.
الساحل الغربي، اليمن
في كل صباح، وقبل أن تشرق الشمس كلياً فوق السهول الساحلية لمدينة المخا، تبدأ أمة الله يومها بالتفكير في تحدً يومي ألا وهو الحصول على المياه. على مدى سنوات، أثر هذا الاحتياج الأساسي على كل قرار في حياتها وأنشطتها اليومية.
وتتذكر أمة الله: «أول ما يخطر ببالي هو عدد المرات التي سنذهب فيها إلى المزارع لجلب المياه.» وبسبب عدم وجود شبكة مياه عامة موثوقة، تعتمد العديد من الأسر على الآبار الواقعة داخل المزارع القريبة، حيث تمثل الآبار الارتوازية أحد المصادر القليلة المتاحة للحصول على المياه للاستخدام المنزلي.
نشأت أمة الله في الحديدة، حيث كانت أسرتها تعتمد على الزراعة كمصدر للعيش. لم تكن المياه وفيرة، لكنها كانت متاحة بما يكفي لاستمرار الحياة وتلبية الاحتياجات اليومية.
تغير ذلك قبل نحو عشر سنوات، عندما امتد الصراع إلى المناطق الغربية من اليمن، مما أجبر آلاف الأسر، مثل أسرة أمة الله، على النزوح من منازلهم.
تركت الأسرة كل شيء خلفها وانتقلت إلى المخا، واضطرت لبدء حياتها من جديد في مديرية تُعاني أساساً من صعوبات في توفير المياه لسُكانها. وسرعان ما وجدت نفسها تواجه تحدياً مستمراً آخر: العثور على مياه آمنة وموثوقة في وقت كانت تأمل فيه بإعادة بناء حياتها في أمان واستقرار.
لم يعد أطفال أمة الله يقلقون بشأن المشي لمسافات طويلة لجلب المياه. © المنظمة الدولية للهجرة 2026/عبير الحسني
نُدرة المياه في اليمن ليست مشكلة جديدة، لكن الصراع المستمر منذ أكثر من عقد ألحق أضراراً بالبنية التحتية وقيّد الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل المياه، بينما زادت التحديات المُناخية من تفاقم الأزمة. وفي مختلف أنحاء البلاد، يفتقر ملايين الأشخاص إلى الوصول الموثوق إلى مياه الشرب الآمنة وخدمات الصرف الصحي. وعلى طول الساحل الغربي، يصبح الوضع أكثر تعقيداً بسبب البيئة الساحلية التي تؤثر على جودة المياه الجوفية.
وبسبب قرب المدينة من البحر، وحفر الآبار غير المنظم زادت ملوحة الآبار. وبالنسبة للأسر التي تعتمد على الزراعة، جفّت الحقول التي كانت تُنتج المحاصيل تدريجياً. وكما هو حال أمة الله، علمت العديد من النساء بسرعة أن جلب المياه يتطلب الآن السير لعدة كيلومترات إلى مزارع بعيدة، وأحيانًا قد يتضمن ذلك الاعتماد على الحمير لنقل أوعية المياه الثقيلة.
وتتذكر أمة الله: «كنا نمشي لمسافات طويلة تحت الشمس الحارقة فقط لإحضار المياه. لكن في السنوات الأخيرة أصبحت الآبار مالحة.»
أصبحت الأنشطة المنزلية البسيطة صعبة التنفيذ في ظل هذه الظروف. فغسل الملابس بالمياه المالحة كان يسبب تهيّجاً في بشرة الأطفال، بينما كان الاستحمام بها يتسبب أحياناً في شعور بالحرقة. كما أن الطهي بالمياه المالحة كان يفسد الطعام القليل الذي يمكنهم شراؤه.
وتضيف أمة الله بحزن «لا يمكن أن أنسى صراخ أطفالي عندما تسببت المياه في تساقط شعرهم وحساسية في بشرتهم. لكننا واصلنا في استخدام المياه المالحة، لأنه لم تكن هناك بدائل متاحة.»
كما تعرضت الأسر لمخاطر صحية جسمية بسبب نقص المياه وضُعف جودتها. ففي كثير من الحالات، كانت المياه التي يتم جمعها غير آمنة، مما زاد من أخطار الأمراض المنقولة بالمياه مثل الكوليرا والهربيس، وغيرها من العدوى. ومع محدودية خدمات الصرف الصحي ونُدرة المياه اللازمة للنظافة الكافية، انتشرت الأمراض بسهولة في المجتمع.
وبينما يعمل الرجال عادةً في البحر، تقع مسؤولية جلب المياه على عاتق النساء والأطفال. بالنسبة لأمة الله، كان العبء يقع بشكل كبير على بناتها الصغيرات، اللواتي كنّ ينظمن الرحلات اليومية مع فتيات أخريات من الحي ويَخُضن هذه الرحلة الشاقة. وغالباً ما كانت هذه المهمة تنهكهن وتستغرق كل طاقتهن ولا يستطعن عمل شيء بعدها.
وتروي لنا أمة الله: «كنت أعتمد على بناتي فقط، وكنّ يجلبن المياه حتى في أصعب الأيام بغض النظر عن المخاطر.»
كما تصف أمة العواقب القاسية التي واجهتها، بما في ذلك إجهاض تعرضت له نتيجة حمل الجالونات الثقيلة أثناء العودة إلى المنزل بعد ساعات من المشي.
وتقول أمة الله: «كان هذا مؤلماً، لكن لم يكن لدي خيار آخر.»
كما أثّر الوقت الذي يُقضى في البحث عن المياه على الأطفال، حيث تَغَيَّب الكثير منهم عن المدارس لمساعدة أسرهم. وفي بعض الأحيان، أدى نقص المياه إلى توترات بين المجتمعات التي تتنافس على الموارد المحدودة.
لمواجهة التحديات المستمرة، أطلقت المنظمة الدولية للهجرة جهوداً شاملة للمساعدة في استعادة الوصول الموثوق إلى المياه وتحسين ظروف المعيشة على طول الساحل الغربي، من خلال معالجة التحديات الحرجة مثل نُدرة المياه.
وبالتنسيق مع المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي والمجتمعات المحلية في المخا، عملت المنظمة الدولية للهجرة على إعادة تأهيل أنظمة المياه المتضررة، وأَعادت تشغيل الخدمات التي تعطلت بسبب سنوات من الصراع، وعززت قدرة المجتمعات المحلية على الصمود.
واستناداً إلى تقييمات فنية، شملت التدخلات حفر وإعادة تأهيل الآبار، وتركيب أنظمة ضخ تعمل بالطاقة الشمسية، وإصلاح خطوط الأنابيب المتضررة. كما أنشأت الفرق غرف تحكم للمساعدة في تنظيم واستقرار إمدادات المياه في مختلف مناطق المدينة. وأصبحت الطاقة الشمسية عنصراً محورياً في هذا المشروع، حيث أتاحت تشغيل أنظمة المياه في المناطق التي تُعاني من شُح الوقود وخدمة الكهرباء. ويقوم الفريق بتوفير مياه الشرب الآمنة من حقل آبار الطوبلي، الذي يبعد 16 كيلومتراً عن المدينة.
بالنسبة للأسر التي تعيش في أوضاع صعبة مثل أسرة أمة الله، فإن عودة إمدادات المياه بعد فترة طويلة من الانقطاع كان لها أثر إيجابي على أنشطتهم اليومية. فبعد أن كانت رحلات جلب المياه من المزارع البعيدة أمراً لا مفر منه، أصبحت الآن المياه النظيفة قريبة من منازلهم. وفي المخا والمناطق المرتبطة بها مثل يختل والطبيلية، يستفيد حالياً نحو 12,000 شخص من شبكة المياه التي أعيد تشغيلها. «كان الحصول على المياه صعباً للغاية. حيث كانت الأسر تمشي لساعات تحت الشمس للحصول على مياه غالباً ما تكون غير آمنة أو شديدة الملوحة،» هكذا قال المهندس صلاح الحميري، مساعد برنامج ضمن فريق المياه والصرف الصحي والنظافة في المنظمة الدولية للهجرة.
«نرى المياه تصل إلى المنازل مرة أخرى بعد طول انتظار هذا يساعد في حفظ كرامة الناس وحَسَّنَ صحة العديد من الأسر.»
إلى جانب إعادة تأهيل وتشييد البُنية التحتية، عملت المنظمة الدولية للهجرة على تعزيز استدامة هذه الأنظمة. حيث نفذت الفرق جلسات تدريب منتظمة لموظفي المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي، وكذلك لأفراد المجتمع المتطوعين. وصُممت هذه الجلسات لتعزيز أنشطة صيانة شبكة المياه بشكل دوري وضمان استمرار النظام في خدمة المجتمعات على المدى الطويل.
وبالإضافة إلى التدريب الفني، نفذت فرق تعزيز النظافة التابعة للمنظمة جلسات توعية مجتمعية بالتزامن مع إعادة ربط خدمات المياه. وركزت هذه الجلسات على الممارسات اليومية الآمنة، واستخدام المياه بشكل صحي وحماية مصادرها، مما ساهم في تحسين الصحة والسلامة بشكل عام.
بالنسبة لأمة الله وكثيرين غيرها، تعني عودة المياه أكثر من مجرد خدمة عادية. فهي تخفف من أعباء الحياة اليومية على أطفالها وتفتح أمامهم فرصاً جديدة للعودة إلى المدرسة والمساهمة في إعادة بناء مجتمعهم.
واختتمت أمة الله حديثها بالقول: «أصبحت الحياة أسهل قليلاً الآن، الأيام التي قضيناها في جلب المياه انتهت، وحان الوقت ليعود أطفالي إلى مقاعد الدراسة.»
نُفِّذَ مشروع مياه مدينة المخا بدعم سخي من الشركاء مثل مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وحكومة اليابان، وصندوق التمويل الإنساني في اليمن، والحكومة الألمانية عبر بنك التنمية الألماني.
***
#اليوم_العالمي_للمياه