لأكثر من عقد، تستمر معاناة النساء والفتيات في اليمن من صراع لا يهدأ، ونزوح متكرر، وصدمات مناخية، ما دفعهن إلى أزمة عميقة في الصحة النفسية تتفاقم باستمرار. الكثير منهن فقدن أحبّاءهن، ومنازلهن، وسبل عيشهن، وأصبحن -في كثير من الأحيان-المعيلات الوحيدات لأسرهن وسط فقر مدقع. غذّى هذا الاضطراب المستمر مشكلات خطيرة في الصحة النفسية، من بينها اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب. وقد فاقم النزوح من معاناتهن، إذ قطع روابط اجتماعية حيوية وتركهن معزولات وضعيفات.
قصة هدى*: خسارة مأساوية وسط تضاؤل الدعم
كانت هدى، وهي امرأة طموحة ومفعمة بالحياة، في شهرها السابع من الحمل بطفلها الثاني عندما أنهت حياتها. ورغم صمودها، فقد عانت من اكتئاب شديد لسنوات. وحينما فقد والدها القدرة على العمل، أُجبرت هدى أن تكون المعيلة الوحيدة لأسرتها. وسط شعورها بالقلق والعزلة، طلبت المساعد في مركز متخصص بالصحة النفسية في محافظة ذمار يدعمه صندوق الأمم المتحدة للسكان، وهناك تلقت المعالجة والدواء. كما تمت إحالتها إلى مساحة آمنة تابعة للصندوق لتلقي تدريب سبل كسب العيش، الأمر الذي مكّنها من بدء مشروعها الصغير لبيع البخور والزبدة.
عاشت هدى، التي تزوجت في سن 22 عاماً، تجرب زوج مسيئة لها، وفي نهاية المطاف عادت إلى منزل عائلتها حيث أنجبت طفلها الأول. واستمرت في تلقي الدعم من مركز الصحة النفسية، وكانت تبوح للأخصائية الاجتماعية بأفكار عن إيذاء نفسها، بل ومحاولة لإيذاء طفلها الصغير الذي أنقذه الجيران في اللحظة الأخيرة.
وفي أبريل 2025، تم تحويل هدى إلى أخصائية نفسية للحصول على جلسات علاجية، لكن تم ابلاغها أن دواءها لن يتمكن المركز من توفيره بسبب تقليص التمويل. عند سماع هذا الخبر، انهارت هدى بالصراخ والارتجاف، وظهرت عليها علامات شدة الضيق والنزعة لإيذاء الذات. تدهورت حالتها بسرعة. وبعد أسابيع قليلة، جلست في غرفتها مساءً، تراقب طفلها نائماً بسلام، وفي قرار مأساوي، شنقت نفسها.
الأثر المتسلسل: الصحة النفسية والرفاه
عنوان الصورة: كثير من النساء يتحملن العبء الهائل لكونهن المعيلات الوحيدات لأسرهن وسط فقر مدقع
غالباً ما تعيش النساء النازحات في اليمن في أوضاع مكتظة وغير مستقرة، يكافحن لتلبية احتياجاتهن الأساسية. يغذي عدم الاستقرار هذا القلق والعجز، ما يجعل دعم الصحة النفسية أمراً أساسياً لبقائهن وتعافيهن. كما دفعت الكارثة الاقتصادية الكثير من النساء إلى هاوية الفقر، وفرضت عليهن عبء إعالة أطفالهن، خاصة بعد فقدان المعيلين الرئيسيين. كما تزيد العزلة الاجتماعية، التي فرضها النزاع والنزوح، من تعقيد هذه التحديات.
نقص حاد: وضع رعاية الصحة النفسية في اليمن
تُعد الرعاية الصحية النفسية في اليمن نادرة للغاية وتواجه وصمة اجتماعية كبيرة. لا يتلقى خدمات الصحة النفسية المستمرة سوى 120,000 شخص فقط، ولا يوجد سوى 46 طبيباً نفسياً يخدمون البلاد بأكملها- أي بمعدل طبيب واحد لكل 700,000 شخص. وفي عام 2025، يُقدَّر أن 7 ملايين شخص يعانون من صدمات وضغوط نفسية تتطلب دعماً صحياً متخصصاً.
النداء العاجل من صندوق الأمم المتحدة للسكان: دعوة للتحرك
خلال السنوات الست الماضية، أنشأ صندوق الأمم المتحدة للسكان، بتمويل من الاتحاد الأوروبي للمساعدات الإنسانيةوكل من كندا والنرويج، ستة مراكز للصحة النفسية في اليمن. لكن مع نهاية مارس 2025، اضطر الصندوق إلى تقليص خدمات الصحة الإنجابية الطارئة وخدمات العنف ضد النساء والفتيات بنسبة تقارب 40 بالمئة. وهذا يعني أن ما يقرب من 1.5 مليون امرأة فقدن الوصول إلى خدمات منقذة للحياة، و300,000 امرأة فقدن خدمات الوقاية والعلاج من العنف. كما أُغلقت عشر مساحات آمنة للنساء والفتيات، وفقد أكثر من 400 عامل يعملون في هذه المراكز وظائفهم. وأُغلق كذلك أحد المراكز الستة للصحة النفسية.
يقف صندوق الأمم المتحدة للسكان مع نساء وفتيات اليمن. ونناشد بشكل عاجل المجتمع الدولي لزيادة التمويل المخصص لخدمات الصحة النفسية والحماية الأساسية لضمان حصول النساء والفتيات على ما يحتجن ويستحقن من الدعم والرعاية.
حتى الآن، لم يتلق نداء الصندوق لعام 2025 لليمن لحشد 70 مليون دولار للاستجابة، سوى 36 بالمئة من المطلوب.
*تم تغيير الاسم للحفاظ على الخصوصية ولأغراض الحماية.